بين المنْح والمنْع حرفٌ واحد وغِلٌّ كبير
نشر بتاريخ: 2026-09-21 الساعة: 03:18
الكاتب: جمال الشاتي
الإدارة الأمريكية للعـام الثـانـي على التوالي تمنـع الرئيـس والوفد الفلسطيني مِـن المشـاركـة فـي اجتمـاعـات الأمـم المُتحـدة فـي نيـويـورك ،،، وتسمـح في الوقت ذاته لمجرم الحرب " بنيامين نتنيـاهـو " في المشاركة ،،، فالمشهد بات أكثر وضوحاً وليس بحاجـة إلى دراسـة وتحليل وتدقيق ،،، لكنه بحاجـة إلى استخلاص الدروس والعبَر وتحمُّـل المسـؤوليـة الوطنية في اتخاذ الموقف الوطني الأنسب لمواجهة التحديات .
فالقرار الأمريكي الذي يمنع ممثلي دولة فلسطين من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة لم يعُد مجرد مسألة سياسية أو تأشيرة إدارية فحسب ، بل هو اختبار حقيقي لما تبقّى من احترام الدولة المضيفة للمنظمة الأممية ، وباتت المواجهة مكشوفة بين إرادة المجتمع الدولي وسياسة الإدارة الأمريكية التي تصر بكل صلافة على الوقوف والإنحياز للإحتلال الإسرائيلي المجرم ،،، وهذا يَدُل ويؤكد يوماً بعد يوم علـى أن الإدارة الأمريكيـة كانت وما زالت وستبقى الحاضنة والراعية للإرهاب العالمي ،،، وإلا ما معنى أنْ تسمح لمجرم الحرب " نتنيـاهـو " المطلـوب لعدالـة الأمـم المجتمعة ،،، وتمنـع مشاركة رئيـس دولـة تعتـرف بـها غالبية ذات الدول والأمم المشـاركـة فـي هذا الإجتمـاع الأمـمي .
السؤال كيـف لإدارة ترامـب أن تمنـع الرئيـس والوفد الفلسطيني من المشاركة في الإجتماعات ؟ وفي ذات الوقت تُفـاوض حركـة سياسية ما زالت تًُصنفهـا بـالإرهـاب أمام العالم !!! إلا إذا كان ( وراء الأكمة ما وراءها ) !! إنّ ما يجري لم يأتِ من فراغ بل كان نتاج تاريخ حافل بـالعـلاقـات والتفـاهمـات المتعددة الأوجه بين الأمريكان ونتنيـاهـو وحـمــاس ،،، وقد سبق أنْ صرّح " نتنيـاهـو " علـى المـلأ بخطـابـه فـي الأمـم المتحـدة قائلاً : (( الإرهـاب هـو عبـاس وليسـت حـمــاس )) ، وكذلك ما قاله وأكد عليه الإرهابي سموترتش وزير مالية الإحتلال : (( بأنّ حماس مكسب وأنّ السلطة الفلسطينية هي خسارة لإسرائيل )) .
عندما منحت الإدارة الأمريكية جميع الدول تأشيرة الدخول لأراضيها بما فيها إيران ، ومنعت الوفد الفلسطيني من المشاركة المباشرة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة للسنة الثانية على التوالي ، جاء الرد مباشراً على القرار الأميركي الجائر من نفس الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتصويت لصالح فلسطين بمشاركة الرئيس بكلمة مسجلة ، وهذا يؤكد أولاً وأخيراً أنّ الهدف الأمريكي من ذلك ، هو رأس القضية الفلسطينية وعنوانها السياسي إرضاءً لإسرائيل ، لقد استطاعوا بهذا القرار منع الرئيس والوفد الفلسطيني من الوصول إلى نيويورك ، لكنهم فشلوا في حجب صوت فلسطين من الوصول إلى منبر الأمم المتحدة .
فالتصويت الذي جرى بأغلبية ( 152 ) دولة مقابل ثلاث دول وامتناع أربع ، برفض الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار الأمريكي القاضي بمنع الرئيس والوفد الفلسطيني من الحضور والمشاركة في الأمم المتحـدة ، يدلُّ على مدى قوة وحضور القضية الوطنية الفلسطينية في وجدان الأمم المؤمنة بالحرية والمُحبة للسلام ، ورغم أهمية الرقم الكبير في التصويت ، إلا أنّ الأهم في هذا التصويت هو التأكيد والإصرار الدولي على الحضور السياسي لفلسطين بهذه الأغلبية الساحقة والسماح بإيصال صوت فلسطين بكل السبل ، فالقرار الأمريكي المنحاز والخاضع للحسابات السياسية العدائية لم يكن موقفاً عابراً ولا يثير جدلاً وإشكالاً سياسياً فحسب ، بل يثير أيضاً إشكالاً أخلاقياً وقانونياً وتفاعلاً جدياً ما بين صلافة الدولة المضيفة ومكانة المنظمة الدولية .
لقد منعوا الوفد الفلسطيني من الحضور المباشر إلى جانب الدول المشاركة ، لكنهم لن يستطيعوا منع الصوت الفلسطيني من الوصول إلى العالم أجمع على منبر الجمعية العمومية ، وهذا يقودنا إلى ضرورة تضمين خطاب الرئيس المسجل بالآتي :
* التأكيد على حق شعبنا في تقرير مصيره وتجسيد سيادة دولته على أرضه وفق قرارات الشرعية الدولية ، وليس بالمقاسات الأمريكية - الإسرائيلية .
* التأكيد على حق شعبنا في ملاحقة مجرمي الحرب وحرب الإبادة على غزة في المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية ، ووقف حرب الإبادة المستمرة على شعبنا .
* حث الدول المشاركة في الإجتماع الأممي على حشد الدعم للحصول على المزيد من الإعتراف بدولة فلسطين .
* مطالبة الدول المشاركة والمجتمع الدولي الوقوف عند مسؤولياتهم في رفع الحصار الظالم عن شعبنا وسلطته الفلسطينية ، وأخذ القرارات والإجراءات الكفيلة بوضع حد للسعار الإستيطاني في الضفة الغربية والقدس .
* التأكيد على أنّ غزة جزءٌ أصيل من دولة فلسطين ، ومطالبة العالم والمجتمع الدولي بإلزام الإحتلال بالإنسحاب الكامل من أراضيها لإعادة إعمارها بالدعم دولي ، وأنّ السلطة الوطنية الفلسطينية جاهزة لإستلام وتسلُّم مسؤولياتها في غزة حُكماً وسلاحاً وأمناً .
وعندما وقف الرئيس علناً بالمحـافـل الدوليـة رافضاً ومانعاً وصْف "حماس" بالإرهاب ،،، كان من الأوجب على حركة حماس أن تأخذ قراراً وخطـوةً جريئـة وتُسلـم علناً زمام الأمور السياسية للرئيـس الفلسطيني ؟حتى تُفوِّت الفـرصة علـى كل الحاقدين والمتربصين بقضيتنا الوطنية ،،، واليوم ما زالت الكـرة في ملعـب حركة حـمــاس للقيام بالتراجـع وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة لضمان وحدة الموقف الوطني ،،، أو أنْ تختار الإستمرار في غِيِّها بـذات النهـج والسلوك ، وتكـون قـد حرقت كل السفن في إصرارها على التناغم فعليـاً في دائرة التحـالـف ضد الشعب والقضية ، وتكون بهذه الحالة قد جعلت من نفسها البوابة السوداء المشرعة لتقويض الحلم الفلسطيني والإجهاز على القضيـة الوطنية الفلسطينيـة .
لقد غاب عن الإدارة الأمريكية بأنه كلما زاد صلفها في محاولة حجب الصوت الفلسطيني عن العالم ، كلما اتسع حضور فلسطين وصوتها العالمي أكثر فأكثر ،،، فلسطين حاضرة وتستمد قوتها من شعبها وعدالة قضيتها المقدسة ،،، وقضية فلسطين ليست مرتبطة بتأشيرة دخول من الإدارة الأمريكية المنحازة أساساً لجرائم الإحتلال ، بل هي قضية شعب يتطلع إلى الحرية والإستقلال والدولة ،،، وفلسطين أقوى وأبقى من تأشيرة واشنطن ، فالشعب باقٍ والإحتلال إلى زوال.
mat