فلسطين والهند: من التضامن التاريخي إلى الشراكة الاستراتيجية
نشر بتاريخ: 2026-08-23 الساعة: 14:08
د. دلال صائب عريقات
خلال الزيارة الرسمية الأخيرة لوفد وزارة الشؤون الخارجية الهندية إلى فلسطين، كان لي فرصة حوار وتقديم رسالة إلى سعادة السفيرة سريبريا رانغاناثان، نائبة وزير الخارجية-سكرتيرة الشؤون القنصلية وجوازات السفر والتأشيرات وشؤون الهنود في الخارج في وزارة الشؤون الخارجية الهندية. لم تكن الرسالة بالنسبة لي مجرد ترحيب بوفد صديق، بل مناسبة للتفكير في ثلاثين عامًا من الحضور الدبلوماسي الهندي في فلسطين، وفي السؤال الأهم: كيف نريد للعلاقة الفلسطينية–الهندية أن تبدو في الثلاثين عامًا القادمة؟
فالعلاقات بين فلسطين والهند لا تبدأ من المصالح الآنية. نحن أمام تاريخ طويل من الصداقة والتضامن واحترام حق الشعوب في تقرير المصير. ويتذكر الفلسطينيون أن الهند كانت من أوائل الدول غير العربية التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني عام 1974، ومن أوائل الدول التي اعترفت بدولة فلسطين عام 1988. وهي مواقف ارتبطت بتاريخ الهند نفسها وتجربتها مع الاستعمار والاستقلال، وبإيمانها بحق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.
كما يستحق الحضور الهندي المتجدد في فلسطين منذ تعيين سعادة ماهيما سيكند ممثلةً للهند لدى دولة فلسطين تقديرًا خاصًا. فقد أضاف تواصلها مع المؤسسات والجامعات والمجتمعات المحلية والحياة الثقافية حيوية ووضوحًا للحضور الهندي. وهذا مهم؛ لأن الدبلوماسية ليست بيانات ومواقف رسمية فقط، بل بناء علاقات بين البشر والمؤسسات والمجتمعات.
الهند استثمرت على مدار سنوات في التعليم والتكنولوجيا والتدريب وبناء القدرات والمؤسسات الفلسطينية، وفتحت أمام الفلسطينيين فرصًا عبر برامج التدريب والمنح والشراكات الجامعية والعلمية وريادة الأعمال، إلى جانب برامج الإدارة العامة والتدريب الدبلوماسي. كما ظل دعم الهند للأونروا جزءًا مهمًا من التزامها تجاه الشعب الفلسطيني، لكن السؤال اليوم هو كيف نبني عليها للانتقال بالعلاقة من الدعم إلى الشراكة، ومن بناء القدرات إلى بناء المقومات التي تسمح لهذه القدرات بأن تنتج وتنافس.
تأتي هذه العلاقة في لحظة تتعرض فيها فكرة الدولة الفلسطينية نفسها لخطر غير مسبوق. فالاستيطان، وإرهاب المستوطنين، والتهجير، ومصادرة الأراضي، وإجراءات الضم وتفتيت الضفة الغربية، بالتوازي مع جرائم الحرب المتصاعدة إلى مستوى الإبادة الجماعية في غزة، تقوض يوميًا الحيز الجغرافي والسياسي الذي يمكن أن تقوم عليه دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وهنا علينا أن نطرح السؤال بصراحة على المجتمع الدولي: كيف يمكن الاستمرار في إعلان دعم حل الدولتين بينما يجري تفكيك الأرض اللازمة لإقامة الدولة الثانية؟ الاعتراف بدولة فلسطين مهم، لكنه لم يعد كافيًا. المطلوب هو حماية إمكانية تجسيد هذه الدولة على الأرض. وفي هذا السياق، لا بد من التمسك بوحدة الأرض والنظام السياسي الفلسطيني. غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وحدة سياسية وجغرافية ومؤسساتية واحدة، وأي ترتيبات لغزة يجب أن تقود إلى إعادة الإعمار والوحدة والحكم الفلسطيني الشرعي، لا إلى تكريس الانفصال أو خلق واقع سياسي موازٍ, وهذا يمكن الاستثمار فيه من خلال العلاقات الثنائية مع اسرائيل للدول التي اعترفت بفلسطين.
الهند ومجلس الأمن: أحد أهم التحولات التي ينبغي أن نقرأها فلسطينيًا هو المكانة الدولية الجديدة للهند. فنحن نتحدث عن دولة ذات نفوذ عالمي متزايد، واستقلالية استراتيجية، ودور محوري في الجنوب العالمي. ومن هنا، رحبت في رسالتي بترشح الهند للحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي للفترة 2028–2029، وبموقفها الداعي إلى إصلاح المجلس وتعزيز تمثيل الجنوب العالمي. وكان لافتًا ومهمًا أن وزير الشؤون الخارجية الهندي الدكتور سوبرامانيام جايشانكار، عند تقديم رؤية بلاده للترشح لمجلس الأمن، ذكر فلسطين تحديدًا، وأشار إلى دعم الهند للأونروا. هذه ليست إشارة عابرة. ففي الوقت الذي تتعرض فيه الأونروا والمنظومة متعددة الأطراف لضغوط استثنائية، يصبح لصوت الهند وزن أكبر. ومع نمو حضورها العالمي، نتطلع إلى أن يتحول التزامها التاريخي بالقانون الدولي وتقرير المصير والدولة الفلسطينية إلى دور دبلوماسي أكثر فاعلية في حماية إمكانية تحقيق سلام عادل ودائم.
فلسطين بحاجة إلى سيادة رقمية: العلاقة المستقبلية مع الهند يجب ألا تقتصر على التنمية والمساعدات. فالهند قوة عالمية في التكنولوجيا والابتكار، وهذا يفتح أمام فلسطين مساحات مهمة للتعاون في الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية والبحث العلمي وريادة الأعمال والتطوير التكنولوجي. لكن لا يمكن الحديث عن التحول الرقمي بينما نفتقر إلى البنية التحتية التي تسمح به. الوصول إلى خدمات الجيل الرابع 4G والبنية التحتية الرقمية الحديثة ضرورة للتعليم والصحة والجامعات والخدمات العامة والابتكار وريادة الأعمال والمشاركة في الاقتصاد الرقمي العالمي. والقيود الإسرائيلية المفروضة على هذا القطاع تعيق بصورة مباشرة قدرة الاقتصاد والمجتمع الفلسطينيين على التطور. وفي عالم يتحرك بسرعة نحو تقنيات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال الفلسطيني أبعد من سرعة الإنترنت؛ إنه سؤال عن حقنا في التنمية والاتصال والمنافسة وبناء اقتصاد المستقبل, ضروري الاستثمار في العلاقات الثنائية للخروج من المفهوم التنموي الإنساني للتحرر الاقتصادي والاستقلال التكنولوجي.
يمكن تعزيز التعاون مع الهند في التدريب الدبلوماسي والإدارة العامة، والاستفادة من خبراتها ومؤسساتها في تأهيل جيل جديد من الدبلوماسيين الفلسطينيين، يشكّل برنامج التعاون التقني والاقتصادي الهندي (ITEC) أحد أبرز أوجه الشراكة الفلسطينية–الهندية، وبناء قدرات الكوادر الفلسطينية ونقل المعرفة والخبرة، بما يعكس نموذجًا عمليًا للتعاون جنوب–جنوب والدبلوماسية التنموية. وفي الوقت نفسه، علينا أن نعمل على تعزيز الحضور الفلسطيني في حوار رايسينا (Raisina Dialogue) وغيره من المنصات الهندية ومنصات الجنوب العالمي.
لدينا دبلوماسيون وأكاديميون وباحثون ورواد أعمال ونساء وشباب لديهم ما يقدمونه في النقاشات العالمية حول الجغرافيا السياسية والدبلوماسية والذكاء الاصطناعي والمناخ والتنمية والابتكار ومستقبل الحوكمة العالمية. ومن هنا طرحت في رسالتي التفكير في حوار استراتيجي فلسطيني–هندي يجمع الدبلوماسيين وصناع السياسات والأكاديميين والقطاع الخاص والنساء والشباب، ويحوّل الصداقة التاريخية إلى شراكة منظمة واستشرافية.
ومن المهم، في قراءة العلاقات الفلسطينية–الهندية اليوم، أن نعترف أيضاً بالتحول الذي شهدته السياسة الخارجية الهندية تجاه إسرائيل خلال العقود الأخيرة. فقد انتقلت العلاقة من مستوى محدود ومحكوم بحسابات إقليمية ودولية إلى شراكة استراتيجية متقدمة، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والابتكار والزراعة والمياه والأمن والدفاع والاستثمار. العلاقة ارتقت رسميًا إلى شراكة استراتيجية خلال زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي لإسرائيل عام 2017، وتوسعت في التكنولوجيا والابتكار والزراعة والمياه والدفاع والاستثمار. وفي المقابل، قام مودي عام 2018 بأول زيارة لرئيس وزراء هندي إلى فلسطين، في مؤشر مهم على سعي نيودلهي إلى تطوير علاقاتها مع كل طرف بصورة مستقلة. ومن منظور الهند، يعكس هذا التحول سياسة خارجية أكثر براغماتية واستقلالية، تقوم على تنويع الشراكات وتعظيم المصالح في عالم متعدد الأقطاب.
وبالنسبة لفلسطين، لا ينبغي أن تُقرأ هذه العلاقة المتنامية بالضرورة باعتبارها خصماً من الرصيد التاريخي للعلاقات الفلسطينية–الهندية، بل كمساحة إضافية للعمل الدبلوماسي. فالهند، بما تملكه اليوم من علاقات استراتيجية مع إسرائيل ومن صداقة تاريخية ومواقف راسخة تجاه فلسطين، تستطيع أن توظف علاقاتها الثنائية ونفوذها المتزايد بصورة بنّاءة لحماية حل الدولتين، ورفض الاستيطان والضم، والدفع باتجاه احترام القانون الدولي وتجسيد الدولة الفلسطينية. وهنا تكمن أهمية الدبلوماسية الفلسطينية: أن نعمل معها لتحويل مكانتها وعلاقاتها المتعددة إلى رافعة للسلام والعدالة والاستقرار في المنطقة. بعد ثلاثين عامًا من الحضور الدبلوماسي الهندي في فلسطين، لا ينبغي أن يكون سؤالنا فقط ماذا قدمت الهند لفلسطين، بل ماذا يمكن أن نبني معًا؟ ما نحتاجه هو الانتقال من التضامن التاريخي إلى الشراكة الاستراتيجية؛ ومن بناء القدرات إلى بناء البنية التحتية؛ ومن الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى العمل الدبلوماسي الفاعل لحماية إمكانية تجسيدها.
لقد خاضت الهند تجربتها الخاصة نحو الاستقلال، واليوم، بعد ثمانين عامًا على استقلالها وثلاثين عامًا على حضورها الدبلوماسي في فلسطين، لدينا فرصة لنكتب فصلًا جديدًا في علاقة الشعبين؛ فصل يقوم على الحرية والسيادة والعدالة والكرامة الإنسانية، وينقل صداقة التاريخ إلى شراكة المستقبل.